جمال الاخْتِلاف – بقلم د. عبدالله باهي


انتشرت في الآونة الأخيرة صورة على مواقع التواصل لفستان أثار الجدل حول أبسط الأمور التي قلما تثير الجدل.. لون الفستان

من كان يعتقد أن يختلف الناس على أمر قد يمر عليه الناس مرور الكرام لتفاهته؟ من كان يتصور أن يختلف الناس على إن كان ما يرونه لوناً أزرقاً داكناً كلون البحر الواسع أم لوناً ذهبياً خالصاً كلون رماله؟

إن هذه الظاهرة، كما أشار إليها علماء الأعصاب، تتلخص في اختلاف القدرة الاستنتاجية لعقول البشر. فالذين يرون الفستان باللونين الأزرق والأسود يملكون عقولاً اعتبرت أن هذا الفستان معلقٌ في غرفة ذات إضاءة اصطناعية، وحللت أدمغتهم بأن اللون الذهبي هو انعكاس للضوء على اللون الأسود في الفستان، وأن اللون الأزرق لم يتغير. أما من يرون الذهبي والأبيض فقد َّحللت أدمغتهم بأن الفستان في غرفة مضاءة بأشعة الشمس، مما جعل اللون الأبيض في الفستان يميل إلى الازرق انعكاساً للون السماء واللون الذهبي لم يتغير

بعيداً عن الأسباب العلمية لهذه الظاهرة، وقراءةً لما بين الأسطر وتفصيلاً للمعاني العميقة، فقد شاهدنا بأعيننا التي لا تكذب، أن الاختلاف وصل لأبسط الأمور التي كانت لا تحتمل الخلاف في الماضي، أفليس من الأولى لنا أن نختلف على الأمور التي تحتمل اختلاف الرأي؟

فقد يختلف الفرد منا مع أبيه أو أمه في نمط حياة معين، وقد نختلف مع قرنائنا في ذوق في المأكل أو الملبس أو حتى الأندية الرياضية. فقد وصل حال الاختلاف الى العنف اللفظي والجسدي حتى وصل إلى القتل. هل هو من المنطق، وقد ولد كلٌ منا في زمن مختلف، ومكان مختلف، في عائلة مختلفة، ذات طباع مختلفة، ومررنا بتجارب مختلفة، وتربينا تربية مختلف، ثم نغضب عندما نختلف؟

هذا التعصب لوجهات النظر والغضب والضغينة لمن يختلفون معنا ليس سببه الاختلاف، مطلقاً. بل هو خلاف بسبب خلل في طريقة رؤيته الاختلاف. فقد يراه البعض ضرورة في الحياة، لكي يحل التوازن بين الموجب والسالب، والقليل والكثير، المنطق والعاطفة، الخ. وقد يراه البعض عائقاً للتواصل وحجاباً حاجزا أمام الوصول إلى النجاح أو النتائج الصائبة. لا شك أن المجموعة الأولى من الناس سيمتلكون قدراً عالياً من التفاهم والتواصل، ووعياً أكبر بالأسباب، مما سيؤدي بهم إلى النقطة التي ترضي جميع الأطراف رغم اختلافهم

لك القرار، عزيزي القارئ، أن تختلف معي في بعض حديثي، معظمه، أو كله. هذا ليس عيباً ولا يجعل أياً منا أقل مقاماً، إنه الاختلاف الذي خلقنا به، وواجب منا أن نتعامل معه بحكمة وإنصاف

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s