چاردينيا ~ بقلم د. عبدالرحمن بسّام غنم


أهدى لي زهرة بيضاء كبيرة ، التقمها أنفي من يده ، اتّفقنا أنها فلّة كبيرة ، شممتها مراراً قبل أن تبرُق تلك الصاعقة من عاصفة ذهنية ، و تضرِبْ ، فتجلِبْ ، ذكرى الرّائحة ، [ فَهْيَ ترفُضُ أن تمرَّ ، من ثُقُوب الذاكرَهْ ] كما يقول نزار ، صدقاً خَطَرت كالخيط النّاصع الذي يأتي لـ”كونان” عندما يجدُ الحلْ ، و مع خلفية موسيقية “ياني – العاصفة” ، تذكّرتُ بيت جدّي الذي به أكثر من ثلاثين نوع من الزهور و الورود ، و تذكّرتُ رائحة زهرة الغاردينا ، نعم إنّها هي ، آهٍ يا حماة ، نبعتِ من زهرةٍ و دخلتِ أنفي إلى قلبي ! ، الغاردينا من عائلة الياسمين أصلاً لكنّها تفوّقت على نفسها و ركّزتْ رائحتها فتدوم بدوام الحبّ ، و بخلود التّفاؤل الذي تنشره في النّفوس ، سَمتْ حتى غَلتْ ، و ضريبة الجهد أنّها عزيزة ، فتربيتها صعبة و تحتاج بذلاً لتعطيك ، لذلك تسمّى الزهرة “المدللة” ، و في ويكيبيديا تعرف ما أتحدث عنه من صعوبة ، لذلك تقول في جريدة الرأي نسرين الحمداني في مقالها “الحب و الغاردينيا” :
كلّما عرفتُ بشراً و بشر ، أجدُ بين الآلاف منهم حباً مختلفاً تماماً كزهرة الغاردينيا ، التي تبحثُ عنها كلّما مررتَ بمدن و مدن !! الاستمتاع بوردةٍ راقية كالغاردينيا يكلّفك جهدَ العناية بها والحبّ لا يبقى بالتكتيك و لكن بالعناية
[ ان حب الارض وعشق السماء فطرة و لكن الارتقاء به غاردينيا ]
و أنا أقول أنّها بوّابة الحنين ، متى تشمّها مرّة فكلّ مرّة أخرى ستكون منفذاً للأولى ، فاختر شمّتك الأولى جيّداً ، مكاناً و زماناً و حالاً و مع من ؟

للغاردينيا عطرٌ غنيّ نفّاذ ، شذيّ أخّاذ ، صاحب رتبة رفيعة يجمع بين الرّقة و الشّموخ .. و الخجل و الرّقي .. و الرّفعة و العمق و السطح ، تُذكّرك باللّيدي ديانا .. ربما ، فهي “غاردينية” ، فلا تملك إلّا أن تشتريها ، أو تقطفها -الوردة- ، و لن يكون الياسمين بديلاً أبداً للغاردينيا و لن تكون بوفرته

الغاردينيا لا تَعرف إلا البياض ، و تكره التستّر بألوان و ألوان ، نقيّة لا يشوبها سواها ، وِسامٌ أصفرَ على صدرها للتجمّل ، و بالرّغم من أنّ هذه العزيزة شامخة ، إلّا أنّها لا تستطيع إخفاء رقّتها و عذوبة روحها و تألّمها ، فهي تشفي الجروح ! ، و تلمّ الأحباب و الأنسجة ، و يَستخدم مرهمها دهناً سكّان المحيط الهادي لذلك ، جميلة ، لا توصف ، بل هيَ تصفُ الجمال ، عندما أراد أن يستعطف نزار قلب حبيبته و يشرح دهشته و عدم احتمال تركه بسؤال استنكاري ، و بعد أن بحث بين غابات عقله المخضرّة ، لم يجد أجمل من أن يقطف قول : [ هل أرحل عنك و قصّتنا .. أحلى من وردة غاردينيا ؟!! ] يا إلهي ! أيُّ مجنونةٍ أنتِ

الغاردينيا صدّاحةٌ بالجَمال ، تُحبُّ النُّور و ترفض الظّلام و الاختباء و الظّلم و السّواد و تذبل و تموت

تُرى هل بقيتِ بيضاء في جنينة جدّي حتّى الآن ، أم أنّكِ غيّرتِ لونكِ تخفّياً من أن تُدهسي بأقدام قتلة الجمال ، أم أنّكِ حاولتِ شفاءَ جرحِ شهيدٍ فصُبغتِ باحمرار ! هل تغلبتِ على السّلاح و علا شذاكِ ريحَ البارود ؟! قاومي القبح و الخراب و القتل ، و انتشري بين طلّاب الحرّيّة والانسانيّة ، هذا زمانُكِ تُروَين بطهر الشّهداء و دموع الأبرياء ، فأي جمال ستزيَّين في القادم ؟

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s