الكُمون – بقلم د. عبدالرحمن بسام غنم


الكُمون على لسان العرب : “الخَفاءُ في مَكْمَنٍ لا يُفطنُ له” ، فهو وجودٌ إلا أنّه في خفاء. و الكُمون بقاءٌ قيد الاستعداد ، أي أنّه مرحلةُ تكثف و تعتّق .. فلا ينمو إلا ما كان له جذور. يقول الفيلسوف الشاعر محمد إقبال في ديوان الأسرار و الرّموز

 الخضرة التي لم تظهر بعد
صارت زينة لبستاني
بينما الورد بدا مختفياً في جوف الأغصان

مرحلة التجذير في أي شيء تسبق مرحلة التفريع و التثمير. هناك نوع من الشجر يُبذر ، و يُسقى لسنة كاملة ولا يَنتظر المزارع منه شيئاً ، و في السنة الثانية و الثالثة ، و الرابعة ما زال يسقي و لا يَنتظرُ زارعُها خروجها .. ثمّ و في الخامسة تنبت نبتةٌ صغيرةٌ و وريقات ، بعد ذلك و خلال أيام تخرُج شجرةٌ طولُها ثمانون قدماً !! هي شجرة الخيزران الصينية ( البامبو ) ، المعلم الأمثل للكُمون و التجذير ، لم تنبت حتى استوت .. و لم تخرج حتى نضجت ، فخرجت خضراءَ غير مصفرَّة ، قويّة غير واهنة. يقول ابن عطاء الله  ” ادفن وجودك في أرض الخمول ، فما نبت مما لم يدفن ، لا يتم نتاجه ”  و هذا أوفق لروح المعنى في قوله تعالى} خلق فسوّى { ، و في مرحلة ما بعد الكمون تشكّل باختياره على الصيغة المرادة له و هو في قول الله } قدّر فهدى

الكُمون هو انهماك الشخص في التمكّن في تخصصه و مجاله ليصبح قويّاً فيه قادراً أن يكون مرجعاً خبيراً له جذور قويّة لا يُقلع عند أي هبّة ريح ، بل جبلاً شامخاً نمى رويداً رويداً ، و هذا الانهماكُ هو الغفلةُ التي قصدتها الشاعرة الأمريكية إيميلي ديكنسون

 في غفلة تنمو الجبال
وتنهض أجرامها الأرجوانية

وفي ابتسامة الفرح العريضة
تطيل الشمس النظر في وجوهها الأزلية

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s