جنة المعرفة – بقلم ريم بخيت


Stux
Photography Credits: Stux

جلسوا على شاطئ البحر، تعالت أصواتهم مختلطة  بصوت الأرجيلة، الأنفاس تسحب وتنفث، ويخرج هذا الصوت الرتيب مختلطاً بضحكاتهم وحواراتهم

كانت تجلس معهم، أو بالأحرى وسطهم، ولكنها تشعر أنها وحيدة بعيدة، لا تمت إلى ما حولها بصلة الا ابتسامات مجاملة توزعها بين حين وآخر على من حولها بلا وعي ولا هدف. التفتت بنظرها تجاه صوت الكرة الشاطئية، مجموعةٌ من الشباب يقفزون في الهواء ويضربون الكرة بقوة. صوت طرقعة الأيدي الشابة المفتولة وهي تتناول الكرة من شخص لآخر كان أقوى من صوت الأرجيلة المتاخمة لها

سرحتْ في عالمها الخاص، غاصت في أعماق الذكريات، هناك على تلك السقالة كانت تقف معه دوماً يصطادا السمك سوياً، كان يحب السمك ويعشق البحر. قلةٌ من الشباب يحبون رياضة صيد السمك، هو كان يتقنها ويجد نفسه فيها، لعل هذا الذي لفت نظرها له، كان مختلفاً متميزاً، ولا ينتمي إلى العالم من حوله.
أحبته بجنون، أحبت السمك والبحر، تعرفت على تفاصيل هذا العالم الغامض المثير من أجله. كانا يقضيان ساعات طوال تحت الشمس.
لا تعلم كيف فقدته؟
مازالت تشعر بالمرارة كلما تذكرت كيف خسرته؟
الحقيقة أنها لا تعلم بدايةً كيف أحبته وتعلقت به؟

كان من عالم مختلف، كان من كوكب آخر.
تذكرته كأنه يقف أمامها، طويلاً فارعاً، مفتولاً، ذو بشرة بيضاء عاجية تتلوح بلون أحمر من أشعة الشمس القرمزية، شعر أسود منسدل على كتفيه، لم يكن يقصه أو يهذبه وكأنه أسطورة تاريخية. دقيق الملامح، عينان سوداوتين حادتين، يقف بينهما أنف حاد، تحته شفتين مكتنزتين.
كل هذا لم يكن ما لفت نظرها له، شدها إليه هذا السلام الذي يعيش فيه، هذا الصوت الرخيم الذي يصدر عنه كلما فتح شفتيه، هذا الهدوء وعدم الانفعال، كان كتلة من المحبة والسلام والطمأنينة تنتقل في المكان.
يلتف حوله أصدقاؤه وكأنهم يستمدون منه السلام. وهي الْتفّتْ حوله معهم، مثل فراشةٍ تحوم حول النور.
حامت وطارت والتصقت وفعلت كل ما من شأنه أن يلفت نظره لها أو أن يجعلها متميزة عن الآخرين والأخريات من حوله، لكن لا، لم يمكنها من الشعور بذلك التميز أبداً.
مرت سنوات وهي تعرفه، كانت تكبر معه وكانت تنضج من خلاله.
ارتبطت عطلة نهاية الأسبوع به. ارتبطت رائحة البحر برائحته، ومغيب الشمس برؤيته.

فجأة تنبهت لأبو جلمبو “صدفة” يسير بين أصابعها الغارقة في رمل الشاطئ الأبيض الناعم. حملته، تأملت أرجله المتعددة وهو يضمها داخل صدفته، خائفاً مذعوراً من هذا الإنسان الذي غير مساره وقطع طريقه. تركته لكي يكمل مساره فانطلق بلا هوادة. راقبته حتى اختفى في حفرةٍ بين الرمال.
هو كذلك مثل هذا الكائن غادر بلا هوادة، غادر إلى بحر آخر، إلى محيط جديد يتعرف عليه ويسمي أسماكه وكائناته، ويرمي فيه شباكه.

بحثت عن الحكمة في معرفته، الحكمة في تعلقها به، ومعرفتها له بعمق. ما هي الحكمة؟ عرفته من الداخل، تعرفت عليه بكيانها كله، بعقلها، بقلبها، بوجدانها، وهكذا يرسل الله لنا بشرا في طريقنا لا لترتبط حياتنا ومستقبلنا بهم، ولكن لكي يغيرونا، يطورونا، نتعلم من خلالهم تجارب جديدة.
وما الحكمة في غيابه؟ تساءلت بألم: فكانت الإجابة لكي ترتبط هي بالتجربة المعرفية لا بالذات البشرية، لكي تستمر في النمو وفي التجارب بدونه كذلك.

تكلمت مع ذاتها قالت: كان وهماً، كان حلماً، كان عفريتاً من الجن. لابد أن تستمر الحياة، لابد أن نكمل المسير. ابتسمت فقد اقتنعت بالحكمة ورأت عمق التجربة، هي اليوم مختلفة عن قريناتها، هي اليوم متميزة في مجتمعها. اعتذرت عن المجموعة من حولها وغادرت المكان لكي تكمل أبحاثها الطبية واكتشافاتها العلمية، لا بد أن تشق طريقها لوحدها وسلاحها السلام والطمأنينة والطموح العالي وخدمة الإنسانية. غاصت أقدامها في الرمال البيضاء وهي تكمل مسيرتها في جنة المعرفة.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s