نزيل الفندق – بقلم ريم بخيت


ming dai
Photograph Credit: Ming Dai

..نمت نوماً هانئاً، الفراش وثير والغرفة يلفها الظلام. هدوء يسيطر على كافة حواس
..قمة السلام والاستسلام

كم كنت أحتاج لقضاء هذه الليلة هنا، مازلت في مدينتي لكن بلا شك شعرت أني قد سافرت. كان قراراً من قراراتي الغير متوقعة أن أذهب لقضاء ليلة في فندق في مدينتي التي أقطنها، فقط من باب تجديد النشاط ومن ثم العودة من جديد لحياتي المزدحمة بالتفاصيل.

وضعت خطة لفعل الكثير في هذه الليلة، هناك رواية أقرأها بين يدي “لقيطة استانبول”، رواية تنقلك ما بين حاضر وتاريخ، ما بين أمريكا وتركيا، ما بين الشرق والغرب، تداعبني تفاصيل الرواية في مخيلتي، وأشتهي قراءتها والانتقال لعالم آخر بعيد، لكني آثرت النوم على أي قراءة أو أي إنجاز..

استيقظت، طلبت طعام الإفطار لتناوله في حجرتي، آثرت الراحة، لا أقوى على فكرة أن أقوم لارتداء ملابسي لتناول الإفطار في المطعم، قمة الكسل، لكنه كسل لذيذ.

وفجأة صراخ في الممر، صوت عالي يصرخ، وصوت آخر يستغيث، أحاول التجاهل، “لا تفتحي الباب” “مالكيش دعوة” “وإنت مالك” هذا ما يدور في ذهني، لكن الصوت يعلو، والضرب أسمعه بوضوح، والصوت المستغيث يبكي كطفل صغير، وأنا أتقلب بين الحلم والواقع، بين الراحة والمعركة.

طار خيالي بعيدا يبدو أنه عنف أسري، أب يضرب ابنه، أو ابنته، لا أستطيع تمييز الصوت، لابد أن أتدخل، قد يتسبب هذا الضرب في قتل أو عاهة مستديمة، وجدتُ نفسي أفتح الباب الخشبي المحكم بمواربة، لم أضع حجابي مع السرعة، ونظرت، وكان أمامي رجلين ينظران إلي، وقد فاجأهما فتح الباب وصوت المرأة الذي انطلق من داخلي صارخاً، يطلب منهما التوقف.

رأيت شاباً في منتصف العشرينات، غاضباً، يشتم أقبح الألفاظ بلهجة حجازية سعودية، ملتحياً، عروقه بارزة من جبهته، محمراً من الغضب، لا يرتدي إلا سروالاً أبيضاً. ورجل فلبيني يرتدي زي الخدم في الفندق، قد تكوم في زاوية الممر عند باب الطوارئ -الذي كان مقابلا لباب حجرتي الفندقية- يبكي بنشيج وينوح وهو يتلقى الكفوف والضرب والرفس على كل جسده، لا يدافع عن نفسه، بل فقط يتلقى الضرب وهو يصرخ باكياً..

وسط الصرخات والهمهمات فهمت الحادث، الخادم الفلبيني المسئول عن نظافة الدور دخل على حجرة الشاب وهو مع زوجته في وضع غير لائق، سألت الشاب بهدوء:
– هل أغلقت سلسلة الباب من الداخل؟.
فأجاب:
– لا، نسيت.
ثم سألت:
– هل وضعت لافتة عدم الازعاج على الباب؟
أجاب:
– لا لم تكن موجودة.
قلت:
– استغفر، بل أكثر من الاستغفار واستعذ بالله من الشيطان الرجيم، والله لا أرى إلا أن شيطانك قد غلبك، قد تمكن منك، هل أنت مسلمٌ؟! هل نبيك هو محمد صلى الله عليه وسلم؟ ألم تعلم أن رسول  الله لم يضرب بيده شيئا!؟ فكيف بضرب رجل ضعيف مغترب ممن هو في حماه! اتق الله يا رجل.
قال بغضب:
– لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل رجل غريب على امرأته بدون حجاب لربما فعل أكثر. غضبت وثرت:
– ألم تقرأ السيرة؟ أما اطلعت على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اتُهِمت زوجته عائشة في حادثة الإفك، وقذف المنافقون في عرضها ووصل هذا القذف لرسول الأمة، وتألم لذلك عليه الصلاة والسلام، مع ذلك لم يفقد ثقته بربه ولم يضرب ولم يظلم.

طأطأ الشاب رأسه وانسحب بهدوء لحجرته وهو يتمتم بصوت منخفض بأنه سينزل لمدير الفندق شاكياً، وافقت على اقتراحه وأضفت بأن ذلك ما كان يجب أن يجري منذ البداية وليس بعد التعدي.

كان جسدي ينتفض ألماً وحسرةً، ماهذه النفسيات المشوهة التي أنتجها مجتمعنا؟ ما هذه المفاهيم المغلوطة التي أنجبتها تربيتنا؟ ماهذا العنف السلوكي والكِبْر النفسي؟ لماذا تعودنا أن نأخذ حقنا بيدنا لا أن نشتكي ونتظلم حتى ننتصر أو يحكم لنا أو علينا.

وتذكرت الأطفال في المدارس كثيرا ما صدمني واقع أن الوالد يخبر ابنه بأن يرد الإساءة على الطفل الذي بدأ بالاعتداء ومن ثم يذهب للشكوى عند المعلمة أو المديرة.

أغادر حجرتي في الفندق، وقد نويت أن لا أكرر التجربة من شدة الألم والارهاق الذي أصابني، وجدت الخادم ينظف غرفة جديدة، ويمارس مهام عمله مثل الآلات التقنية العالية الجودة، جاء يشكرني على تدخلي ويخبرني بالواقعة وكيف تمت، فطمأنته أني ذاهبة للإدارة لأخبرهم بما رأيت وسمعت. والله لو كان امرأة لضممتها وقبلت رأسها وما تركتها إلا وقد طيبت خاطرها وجبرت كسرها.

الإحساس بالظلم والمهانة، الإحساس بالضعف وجبروت الآخر، مشاعر تستدعي أن الشخص المظلوم ينحرف عن الجادة، قد ينتقم، قد يتطرف، قد يؤذي نفسه أو الآخرين.

انتهت المسرحية الهزلية بالمدير العام للفندق الذي قابل كلامي -في مكتبه- بمنتهى الهدوء بل بقمة البلادة، مخبرا إياي -وابتسامة صفراء ترتسم على شفتيه- بأنهم كثيرا ما يقابلوا أنواعاً من البشر وصنوفاً من الشخصيات، ولابد من مراضاتهم والتنازل لهم والا أثاروا المشاكل واختلقوا القصص..
القضية أُغلقت، والحُكم صدر ولا استئناف..

السؤال الذي ظل يتردد في نفسي: من يأخذ حق الخادم المسكين؟ من يأخذ لي حقي في إحساسي بعدم الأمن والظلم والإزعاج؟ أرفع كفي لله عزوجل متضرعةً بأن يغير أحوالنا ويحسن أخلاقنا.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s