العلامة الفارقة – بقلم ريم بخيت


deer
Photography Credits: Smarko

سُجِلتْ العلامةُ التجارية في بيروت بمستشفى  الجامعة الأمريكية، حين خرجت الممرضةُ من حجرة الولادة تُبشِرُ والدها وخالها بأن الوالدة والمولودة في صحة طيبة. فصرخ الرجلان فرحاً، وسألا عن جنس المولود للتأكد، فأجابت بصوتٍ منخفض وبأسفٍ بالغ
جاتكم بنت 
طرب والدها وخالها وأطلقوا الزغاريد في رواق المستشفى الضخم. شكَّت الممرضةُ بأن الرجلان لم يسمعا جيدا ما قالت، فكررت
 أنا شو قلت؟! أنا قلت بنت مو صبي 

أطلقوا على هذه البنت الصغيرة “ريم”، أصل الاسم بالهمزة “رِئم”، وخفف لسهولة النداء.  يسمون به الأنثى – وهو اسمٌ مذكرٌ- تحبباً بالمعنى، وقد يغيرون من نطقه فيقولون: ريمي، ريمة، ريما. ويُعَدُّ اسم “ريم” من أكثر أسماء الإناث تسميةً في الوطن العربي، خاصةً في بلاد الشام

“ياريم وادي ثقيف، لطيف جسمك لطيـــف، ماشفت أنا لك وصيف، بالناس شكلك غريب” أغنيةٌ اشتُهرت جداً في الحجاز أثناء طفولتها، فكان معظم الناس بمجرد أن يسألونها عن اسمها فتخبرهم “ريم” يدندنون مباشرة بكلمات الأغنية. كانوا يظنون أن هذا إطراء وأن هذه الدندنة ستسعدها، لكن الحقيقة كانت غير ذلك. كان أخاها -الذي يكبرها بخمس سنوات ويمارسُ كافة أنواع القهر المعنوي والضغط النفسي عليها- كان يغني الأغنية حتى إذا وصل لمقطع “بالناس شكلك غريب” مصمص بشفتيه وتأوه، ونظر إليها بشفقةٍ وأضاف تعليقات معناها بأنها غريبة وغير معهودة بين الناس. كانت تقف أمام المرآة كثيراً وهي في عمر الخمس سنوات تتأمل شكلها وتبحث عن غرابتها؟

ثم ابتُليتْ بابن عمٍ لها وهي في السابعةَ من عمرها، كلما نظر لها قال: كيف حالك يا حليمة؟!  فتجيب بالنفي رافضةً فهي ريمة وليست حليمة. فيسترسل بأن حليمة هي مرضعة الرسول عليه الصلاة والسلام وهي من أشرف النساء، ثم يُسهب في سرد قصتها. ولا تفهم ما علاقتها بحليمة ما دام اسمها هو ريمة وليس حليمة.
وابنُ عمٍ آخر كانت كلما أقدمت على فعل أو قول، علَّق قائلا:
“رجعت ريمة لعادتها القديمة”
وبالتالي أصبحت كل أفعالها عاداتٌ قديمة بمجرد اقترافها.

ثم وقعتْ في الحبِ لأول مرة في الثانية عشر من عمرها، وكان بينها وبين ابن جيرانها مكالمة هاتفية واحدة أسمعها فيها أبياتاً من الشعر قال فيها:

” ريمُ ” على القاع بين البانِ والعلمِ
أحل سفك دمي في الأشهرَ الحُرمِ
رامى القضاءُ بعيني جُؤذَرًا سرًا
يا ساكن القاعِ، أدركْ سَاكِنَ الأَجمِ
لمَّا رنَا حدَّثتني النفس قائلة
ياويح جسمك بالسهم المصيب رُمي

فوالله ما أدركتْ أنه شعرٌ في الغزل وإنما ظنتها أبيات في وصفِ الصَّيْد، وقطعتْ العلاقةَ بعدما اكتشفتْ أنه يتحدث لغةً لا تُجيدها.

كانت المعضلة الرئيسية بينها وبين اسمها أن معنى الاسم هو “الغزال أو الظبي الأبيض” المهم حيوان رشيق في شكله وحجمه، وهي تشكو من أنها ممتلئة القد، ملفوفة الجسد، فبالتالي إما أن لا يكون لها من اسمها نصيب، أو أن حالها يؤكد نظرية البعض بأن الإنسان يكون نقيض اسمه، فياسمين رائحتها سيئة، واعتدال متطرفة، ووديع عنيف وهكذا.

هي الآن على مشارف الخمسين ومازال اسمها “ريم” لم تغيرْه أو تستبدلْه، لأنها حينما كانت في العشرين قامت بمسحٍ شاملٍ على كل من تعرف من الريمات، فاكتشفتْ أنهن شخصيات فعالة لهن حضورٌ قوي وجذاب، عميقات التفكير بشكلٍ واضحٍ رغم تسرعهن أحياناً في إتخاذ القرارات، ويظهر التعجل الظاهر على سلوكهن بشكلٍ عام، تبحثن عن المثالية والتميز، تحببن المرح ويمكن الإعتماد عليهن عند الحاجة. بعد معرفتها نتيجة الاستقراء أحبتْ اسمها، وتعلقتْ به، واحتفظتْ به ثم أكدت تسجيله كعلامةٍ تدل على ذاتها.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s