الخادمة – بقلم ريم بخيت


andresantanams
Image Credit: Andresantanams

هناك في وسط السماء وأنا بين النائمة واليقظانة، أسمع كلما غفوتُ صوتَ الضحكات ترتفع ُمن حولي، وتعليقاتٍ ساخرة. تهكمات اختلطت باللغتين الانجليزية التي أجيدُها والسواحيلية التي لا أفقه منها كلمة

الطائرة قد امتلأ أكثر من نصفها فقط، معظم الركاب من الخادمات الكينيات اللاتي يعملن في السعودية. تعرف وظيفتهن ومستواهن الاجتماعي من هيأتهن ورائحتهن. عطورٌ رخيصةٌ اختلطت برائحة العرق. تستطيع أن تجزم بأنهن لا يقتنين مزيلات الرائحة وقد يستعملن أنواعاً رخيصة لا تسمن ولا تغني من جوع، فلا يظهر أثرها. وهناك بعض الأفراد الأوروبيون تناثروا هنا وهناك في الطائرة. كانت الطائرة أشبه بكرنفال متعدد الألوان، هذه الشعوب الأفريقية متجددة بلا شك.

استيقظت وتنبهت من حالة النوم التي أصابتني وأخذت أتأمل من حولي. بجواري فتاة في منتصف العشرينات مبتسمة، تنظر إلي، ترغب في التواصل، قالت:
– من أين أنت؟
– من السعودية. من جدة، وأنتِ ؟
– من كينيا أعمل خادمة في أبها. هذه إجازتي الأولى منذ عامين. أنا أسكن على بعد خمس ساعات من العاصمة نيروبي، أنا مشتاقة جدا لعائلتي.
– وهل ستعودين لأبها بعد انتهاء الإجازة؟
– نعم قطعاً سأعود، سأعود بعد خمسة أشهر. العائلة التي أعمل عندها رائعة وهم يحسنون التعامل معي، كما يجيدون الانجليزية مما يقلل من مشاكل عدم التواصل أو سوء الفهم.

  فرحت بكلامها جداً وبروحها الإيجابية. كانت الطائرة على وشك الهبوط، تأملت من جديد، على يميني تجلس فتاة في أوائل الثلاثينات ترتدي قميصاً وردياً يكشف عن ذراعيها العاريتين وتضع حجاباً أحمراً يغطي شعرها تماماً. واكتشفت ان عدداً كبيرا من المسلمات كانوا على هذه الكيفية قد كشفوا مساحات من أجسادهن لكن غطين شعورهن. وهناك اثنين قد التفحن تماماً بالسواد، منقبات في عباءاتٍ سوداء، أثر الفكر السلفي قد ظهر على سلوكهن. وهناك نصرانيات تميزن بالوشم الصليبي الذي تم نقشه في جلودهن منذ الطفولة.

الطائرة تلمس أرض المطار في حنان، ثم تجري عليه، فتنطلق الزغاريد وتصفق النساء. التفت إلى جارتي:
–  أنتم شعب مرح، يحب الحياة. لاحظت أن السيدات طوال الرحلة يضحكن ويتسامرن.
– هن سعيدات لأنهن سيقابلن أحبابهن وأسرهن بعد طول غياب. بعضهن لم يرَ أفراد أسرته منذ خمس أو ست سنوات. حمدت الله في سريرتي فأنا لم أر ابني الشاب منذ ستة أشهر فقط، وأشعر أني أتلوع لرؤيته وأتلهف له وأتعذب في بعده، أتواصل معه وأراهُ عبر الانترنت لكن لا يكفيني ذلك، فكيف بمن تركت طفلاً رضيعا أو والداً كبيرا؟! الله يعينهن ويصبرهن. وقفنا نتناول الحقائب اليدوية استعداداً لفتح باب الطائرة والهبوط منها، السيدة خلفي ترفع يديها للسماء باللغة الانجليزية وتدعي على سيدتها السعودية، وكذلك تفعل أخريات، أخرى تقول: لا مزيد من العودة للسعودية فقد خلصنا الله منها فلا نعود إليها، أصبحتُ فجأة في مصاف العدو وجميعهن ينظر إلي، إحداهن تسألني: ما جنسيتك؟ قلت: سعودية. قالت: السيدات في السعودية ظالمات، متكبرات ومتسلطات. وافق الجميع على كلامها، عدا جارتي التي قالت لهم جملة بالسواحيلية التي لا افهمها، يبدو انها تدافع عني وعن تجربتها الطيبة. فقالت احداهن: أنت لست سعودية، واضح أنك طيبة. قلت: في كل المجتمعات هناك الطيب والسئ، التعميم خاطئ. قالت احداهن بغضب:
– إلا السعوديات السيدات فقليل منهن فقط الطيبات، نحن جميعاً عانينا. ألا تسمعين. قلت:
– أعتذر وبحرارة من كل واحدة منكن، أعتذر ولو هناك أي شئ أستطيع به رفع الاساءة عنكن والله لفعلت. قالت إحدى المسلمات:
– أنت مسلمة؟! أشرتُ برأسي بالإيجاب وأنا أشير لحجابي الذي يغطي شعري. قالت بألم:
– كانت سيدتي السعودية دوما تقول عني يهودية، لماذا تشتمني في ديني، لماذا؟ أعتصر الألم بداخلي وبدأت أشعر بأحشائي تنقبض. قلت:
– مخطئة هي ولا تفهم دينها، أؤكد لك ذلك. ما عندي الآن ونحن ننزل من الطائرة غير الدعاء، وكونوا على ثقة بأن الله لا يرضى الظلم وينتقم من الظالم في الدنيا قبل الآخرة.
نزلت من الطائرة وأنا أردد يارب لا تؤاخذنا بما فعل الظلمة والجهلة  والسفهاء منا.. يارب احشرني مع الفقراء والمستضعفين..

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s