القاتل الأول في العالم – بقلم د. عبدالله باهي


geralt
Image Credits: Geralt
هرمون طبيعي في الدم، يفرز بشكل يومي من الغدة الكظرية، يكون بأعلى مستوى له في الدم في الصباح الباكر، وينخفض على مدار اليوم حتى يصل إلى أقل مستوى له في المساء، ومن ثم يرتفع مرة أخرى أثناء النوم.لهرمون الكورتيزول فوائد عديدة، منها أنه ينظم السكر بالدم بالتعاون مع هورمونات أخرى، ويساعد على تنظيم ضغط الدم، وعمل الجهاز المناعي، وتنظيم دورة الساعة البيولوجية في الجسم، وهو هورمون رئيسي في عملية استقلاب المواد الأيض في الجسم. ولكن العسل يصبح سمّا، إذا ارتفعت معدلاته في الدم لفترات طويلة، وهو بلا شك ما يحدث في زماننا، مما جعله العدو الأول للصحة العامة، وما دعى الجمعية الأمريكية لعلم النفس بتلقيب التوتر؛ الذي هو المحفز الأساسي للكورتيزول، بالقاتل الأول في العالم. إن التوتر المستمر مسبب رئيسي في الستة أمراض التي تتصدر قائمة أسباب الوفاة في العالم وهم: أمراض القلب، والرئة، والسرطان، والتليف الكبدي، والحوادث، والانتحار! وهو كذلك سبب في ٧٥% من زيارة المرضى للأطباء كما أثبتت الإحصاءات. ولأن وظائف هورمون الكورتيزول في الجسم عديدة، فإن أعراض زيادته تظهر في الجسم والعقل والنفس.
هل تعاني من آلام الظهر والصداع؟ هل سئمت من الصعوبة في النوم والاستيقاظ؟ هل لديك رغبة في تناول الأطعمة الغير صحية مما أدى إلى زيادة وزنك؟ هل لديك تقلب في جهازك الهضمي على مدار اليوم؟ قد يكون السبب في كل هذه الأعراض شيءٌ واحد، هورمون واحد يعمل على وظائف عديدة بالجسم ولكنه قد خرج عن السيطرة بسبب التوتر المستمر.

إن التوتر ردة فعل طبيعية في الجسم، وهو مهم في أوقات عديدة لكي يضمن عمل الجسم بالمستوى المطلوب، كما عندما تقوم بإلقاء محاضرة لعدد كبير من الناس لأول مرة، أو عندما تصادف حيوان مفترس أمامك. وفي هذه الحالة، يكون ارتفاع هورمون الكورتيزول أمراً ضرورياً.
أما ارتفاع الكورتيزول بشكل مستمر على مدار الشهور والأعوام يؤدي الى انخفاض المناعة في الجسد، مما ينتج الأمراض المستمرة، بداية بالالتهابات والأمراض المُعدية وصولاً إلى أنواع عديدة من السرطان. وتستمر الأمراض لتشمل هشاشة العظام، وعدم انتظام الدورة الشهرية عند النساء، وقرحات المعدة، والقولون العصبي.
أما الأعراض الدماغية والعقلية فمنها قلة التركيز والاستيعاب وضعف الذاكرة. وقد تؤدي زيادة هورمون الكورتيزول على المدى الطويل الى الخوف المستمر، وتدمير المشابك العصبية في الدماغ مما ينتج عنه انخفاض القدرة على التعلم، واتخاذ القرارات والأحكام على الشكل الصحيح. ولا تقتصر أعراض زيادة هورمون الكورتيزول على المدى الطويل على الأعراض الجسدية والدماغية فحسب، بل إن الأعراض النفسية عديدة. منها الضيق والحزن والاكتئاب والشعور بالوحدة، كل هذا قد يؤدي في نهاية المطاف إلى الإدمان بأشكاله المختلفة، والانتحار.
هناك مسببات أخرى لزيادة هورمون الكورتيزول غير التوتر، منها الاطعمة المليئة بالدهون المشبعة، وإدمان السكر والكافيين، والكحول، والنظام الغذائي منخفض الألياف، والحياة التي تخلوا من الرياضة الجسدية. إن نصائح الأطباء بالرياضة اليومية والنظام الغذائي المنتظم ليس لتحسين هيئتك الخارجية فقط. إن الجسد منظومة متكاملة ومتشابكة، يتأثر بما يدخل إليه ويتفاعل معه من خلال الهورمونات والأعصاب. فمن الواجب علينا العلم بهذه المؤثرات الخارجية والداخلية، والعمل بما يؤثر على جسدنا إيجاباً وتجنب ما يتفاعل معه سلباً. لقد أثبتت الدراسات الجينية أن التوتر الدائم يساهم في الشيخوخة المبكرة من خلال التأثير سلباً على الحمض النووي داخل الخلايا. وفي دراسة أخرى في جامعة هارفرد تعد الأطول في التاريخ استغرقت ٧٥ عاما على حياة ٧٢٤ رجلاً، صرح د. روبرت والدينجر بأن سر السعادة والصحة والعمر الطويل تتلخص في العلاقات الاجتماعية مع الأهل والأصدقاء. إن المسألة ليست في عدد أفراد العائلة أو الأصدقاء، بل في طبيعة هذه العلاقات. وإذا نظرنا إلى هذه الدراسة من الجانب الهورموني، فإن هورمون التوتر هو بلا شك عاملٌ رئيسي في هذه العلاقة بين السعادة والصحة، والتحكم في مقدار التوتر الذي يصيبنا جرّاء الموثرات الخارجية بشتّى أشكالها هو من أهم العادات السلوكية التي يجب أن نكتسبها ونتقنها.
Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s