بقلم ريم بخيت – Inside Out


sabinevanerp
Photography credits: Sabinevanerp

ارتفع صوتي ضاحكاً وأنا أشاهد الفيلم السينمائي المخصص للأطفال، لستُ وحدي فجارتي التي تجلس في نفس الصف ويفصلني عنها كرسيين فقط تضحك كذلك بصوتها. نظرتُ حولي متفحصةً كل الحضور في قاعة المشاهدة من الكبار، لا أجد طفلاً واحداً بين المشاهدين.
قهقهتُ أكثر، فقد نجح “ديزني” ولأول مرة أن يكون فيلمه مستهدفاً الكبار بقدر استهدافه للأطفال

هذا الفيلم عبقريٌ في فكرته، وفي إخراجه، وفي حواراته. إنه يشرح بوضوح فكرة المشاعر وسيطرتها على الإنسان في مختلف المواقف. كما يقرب فكرة صناعة الذكريات التي تُكَوِن فيما بعد محطاتِنا القيمية الرئيسية، محطة العائلة التي يجب أن لا تنهار، محطة الأصدقاء، محطة الترفيه والإبداع، محطة النجاح والتفوق من خلال الرياضة أو الدراسة، محطة الصدق والإخلاص وباقي الأخلاق. كلها محطات قيمية صنعتها خبراتنا المتراكمة وتجاربنا السابقة عن طريق الذكريات المتراكبة.

تحركنا خمس مشاعر رئيسية، نتعلم من خلالها ونبني تجاربنا: مشاعر الفرح، الحزن، الخوف، الاشمئزاز، والغضب. ومن خلال أحداث الفيلم يتضح لنا أن الغضب أسوء المشاعر على الاطلاق فهو الذي يسقطنا في أسوء القرارات وأسرع الانفعالات. كما يتضح كذلك من مشاهد الفيلم أن مشاعر الحزن ليست سيئة على الدوام بل هي سبب رئيسي للبناء ودافع للنجاح، أما الخوف الذي يعزز السلامة والأمان مطلوب، والذي يلغي الدوافع ويهدم العزيمة فغير مرغوب.

تتطور أحداث الفيلم ونشاهد كيف نتخلص من بعض الذكريات في “مكب الذكريات” وهو مقلب قمامة للذكريات التي نقصيها في اللاوعي. من الممكن أن نحيي بعض الذكريات في هذا المقلب لكن نحتاج لجهدٍ جهيد.
وهناك قطار الأفكار، هذا السائر طوال اليوم بلا هوادة حتى ننام. حينها فقط يتوقف قطار الأفكار عن الحركة ليتولى جهاز الأحلام مهمته في اختيار ما يرى كلٌ منا من أحداث يومه. بعض الأحلام لا معنى لها مملة ولا هدف منها، بعضها مخيف يوقظنا من النوم، وبعضها أحداث يومية نراها في شكل مختلف.

وفي حياة كل منا شخصية “خيالية” طريفة، يصنعها كلٌ منا في طفولته لكي يبني معها أحلامه المختلفة. قد تكون أحلاماً مثل صناعة مركبة فضائية والصعود بها للقمر. وقد يكون هذا الكائن الخيالي جسده مكون من “غزل البنات” ذات اللون الزهري الفاقع، ومن خرطوم فيل وذيل حصان وعيون ديناصور. غالباً نتخلص من هذا الكائن الخيالي ونرميه في مكب الذكريات في مرحلة من حياتنا وقد يصاحب ذلك مرحلة البلوغ.

من خلال الأحداث نستوعب ونتقبل صعوبة التغيير الجذري في حياة الإنسان. فتغيير المدينة التي نسكنها، والبيت الذي نقطنه، والمدرسة التي ننتمي إليها وجماعة الرفاق، كل ذلك يستلزم من كل أفراد العائلة استيعاب الآخر وتقبل الأزمات التي يمر بها، ومحاولة تذليل العقبات سوياً والحوار حولها. ولا ننسى أن بداخل كل منا مشاعره الخمسة المسيطرة التي تتجاذبنا بينها، مشاعر الخوف، والحزن، الغضب والاشمئزاز والفرح..

أهم ما يظهره الفيلم أنه قد تختل -في فترات معينة من الحياة ونتيجة الضغوطات- كافة المحطات القيمية التي كونها الإنسان سابقاً لكن المحطة الرئيسية التي يمكن من خلالها اعادة بناء كافة المحطات التي تهدمت هي “محطة العائلة” فهذه المحطة هي المرتكز النفسي الرئيسي للفرد. فإذا دُمِرت أصبح الإنسان لا مبالي، لا مشاعر لديه ولا انفعالات، أو بتعبير آخر “يموت قلبه”.

أهنئ “بكسار وديزني” Pixar & Disney على هذا الفيلم الهادف وكم أتمنى أن أراه من ضمن مناهج تعليم المرحلة الابتدائية لدينا، مع دليل خاص للمعلم يشرح به عمق الفيلم ويربطه بعلم الأحياء، وبشرعنا الإسلامي وقيمنا الهادفة. هذا الفيلم نموذج صالح للاقتداء به، أحلم بفيلم مثله عن حماية البيئة البحرية، والبرية، وبآخر في العلاقة بين الإنسان والنبات وبين الإنسان والجماد.
وأتطلع بشغف لفيلم يشرح معنى الإسلام الحقيقي والإيمان الفطري للإنسان. أين صانعي أفلامنا المتحركة؟ أين كتاب السيناريو؟ ومخرجي أفلام الأطفال؟ فأنا أحلمُ بطرحٍ جديد يجذب الفكر ويجلو الفهم ويربط القلب.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s