غرفة الطوارئ ~ بقلم ريم فؤاد بخيت 


emergency-room
Photography Credits: Sasint

صرخةٌ تصُّمُ آذاني، آآآه، بعدها ينخفض الصوت ويتحول الصراخ إلى أنين.. أسمع هنا أنين وهناك تأوهات، من هنا أسمع حواراً هادئاً، ومن هناك تتناول أذنيَّ حواراً ساخطاً متذمراً، وبجواري صمتٌ رهيب

حجراتٌ متجاورةٌ لكنها متفاوتة، بداخلِ كل منها حالةٌ، وراء كل ستار خصوصية وقصة، يسدل الستار أو يفتحه إنسانٌ في معاناة

اختلط الناس وازدحموا في داخل تلك المنطقة من المبنى الضخم، بساحاته الواسعة وحجراته المعقمة، رائحة المساحيق المطهرة اختلطت مع روائح الغازات والأدوية، إنها منطقة استقبال الطواري بالمستشفى بحجراتها المتنوعة

المكانُ يموج في حركةٍ مستمرة، موجاتٌ من الناس تتحرك في طرقٍ مستقيمة ومتعرجة

منذ ساعاتٍ قليلة وقفت سيارة الإسعاف أمام الباب الزجاجي الضخم، بسرعة فُتِح الباب وخرج من العمق سريراً متنقلا يجره إثنين من الممرضين الرجال اليافعين

وضعوه على كرسي متحرك، وتم إدخاله بسرعة للمعاينة، أوراق تعبأ، تصاريح وهويات والمزيد من الإجراءات. أتنقل بلا وعي ما بين الاستقبال، وحجرة الطوارئ المخصصة لاستقبال المرضى الذكور للاطمئنان عليه. الحرارة مرتفعة جدا، زوجي يهذي. والأطباء يتوافدون، كلٌ بحسب تخصصه يُجري فحوصاته ويُملي طلباته، أشعة للصدر، أشعة دوبلر للأوردة الدموية، ثم أشعة مقطعية للصدر، فحوصات مخبرية وتحاليل

أبحث وسط الأطباء والممرضات عن الإنسان قبل الطبيب، هنا في هذا المكان قليلٌ جدا من ينطبق عليه لفظ الإنسان، يبدو على تعامل الاطباء والممرضات الرغبة فقط في إنهاء أعمالهم وإجراءاتهم، التعامل فظ وغليظ، ولا أحد يشرح للمرضى أو يفسر لهم ما يجري، والحالة معقدة، محبطين لعلهم أو مدمرين نفسياً

بداخلي سكون رهيب، لعله ترقب أو تسليم ورضا بكل ما هو آت، ومن خارجي حركة مستمرة، أتحرك وأتنقل بلا توقف. ما بين الكمادات والحقن والممرضين والأطباء ومكتب الاستقبال وجهة موظف التأمين الطبي، والتقارير الطبية. والحوارات المصطنعة من جهتي مع الاطباء محاولة تفسير ما يجري لزوجي من أعراض، لكن ترتسم الحيرة على الوجوه

أستمع لحوار المحقق مع المريض، على السرير المجاور، مقيم عربي في الأربعينات من عمره، نحيف جدا، ملتحٍ لحية خفيفة، يبدو عليه الهدوء، يرتدي نظارة طبية، قد أقدم على الانتحار بعد أن رمى بطاولة في وجه زوجته. تخيلت الخلاف الذي نشب بينهما، سمعت أصواتهما تختلط، ورأيته يقدم على الانتحار، وهي تبلغ الإسعاف. وأنا في ثباتي بجوار زوجي، أتأمل وأرسم المشاهد وأكتب السيناريو وأتابع الأحداث

الحجرة التي تليها مقيمٌ آسيوي، تعرض لحادث سيارةٍ بشع، يبدو مهشما تماما لكن صوته عالٍ، ولديه المقدرة على إدارة حوارات هاتفية طويلة، واضح أنه يشرح لآخرين ما تعرض له. تسمع صوته الجهوري القوي فتتصور أن الإصابة طفيفة لكن بمجرد أن تراه تستوعب أن الرجل قوي الإرادة وشديد التحمل

وعلى سرير في زاوية الحجرة نام الطفل المريض الصغير الحجم، بجوار والده المنهك، يبدو الوالد منهكاً جسدياً ونفسياً، أتساءل في نفسي: أين والدته؟ كيف تركته ينام بعيداً عنها هنا في هذا الزخم من البشر ومن الألم؟! احتضنه والده بين ذراعيه في سكون، واستسلما للنوم، وجهاز التنفس على أنف الطفل، وأبرة المغذي في يده

أذان الفجر يصدح في المكان، أتوضأ ثم أصلي، أدعو لكل من حولي من الحالات، بدأت أستوطن المكان فقد مرت علينا حوالي ثلاثة عشر ساعة ولم ينقل زوجي بعد لغرفة في قسم من الأقسام، والسبب عدم توفر سرير فارغ!!؟
ننتظر في ردهة الطوارئ ريثما تتوفر غرفة لكي ينتقل إليها ويبدأ العلاج المقترح والمتابعة للحالة عن طريق الأطباء المختصين. نظرت على ملف المريض الشخصي بين يدي الممرض وقد كتب عند التشخيص

“حرارة شديدة غير معروفة المنشأ، جلطة في الرئة وجلطة في الساق تحتاج لمعرفة الأسباب”..

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s