عبق الذكريات – د. عبدالله باهي


نجلس أمام البحر في ليلة من ليالي الشتاء الباردة بعد يوم ممطر, تحمل الرياح رائحة الأسفلت والتراب المبلل بماء السماء, فنقوم تلقائياً باسترجاع تلك الذكريات التي ظننا أنها انطوت في أعماق الكم الهائل من ضغوطات الحياة اليومية. نأخذ نفساً أعمق فتأتي الذكريات إلينا بسرعة الهواء الذي نشمه كأنه محمول فيها. ما السر؟

إكتشف العلماء أن حاسة الشم هي الحاسة الوحيدة لدى الإنسان التي ترتبط بالجهاز الطرفي المسؤول عن الذاكرة والمشاعر والإفعالات كالحب والغيرة والغضب. فالرائحة هي عبارة عن كيماويات دقيقة جداً بالهواء, يتم التقاطها بشعيرات الأعصاب في سقف الأنف, والتي ترتبط مع العصب الأول من الأعصاب الإثني عشر التي تصل إلى الدماغ مباشرة وتسمى الأعصاب القحفية. يعد العصب الأول هو العصب المسؤؤول عن حاسة الشم, وهو الوحيد الذي يسلك طريقاً فرعياً إلى الجزء من الدماغ المسؤول عن المشاعر والأحاسيس

يمكننا أن نرى أو نسمع أو نلامس شيئاً يذكرنا بالماضي, ولكنه لن يكون بقوة حاسة الشم, ذلك لأن الذكريات ترتبط إرتباطاً وثيقاً بما كنا نشعر به عند تسجيل هذه الذكرى في أدمغتنا. لذلك يمكننا أن ننسى ما يفعله لنا الغير من خير أو شر, يمكننا أن ننسى المواعيد والوجوه والأسماء, ولكن من الصعب أن ننسى وجهاً تعلقت مشاعرنا تجاهه, أو إسماً كان يخفق القلب عند سماعه, أو رائحة تعيد لنا مشاعر الطفولة البريئة أو المراهقة المتمردة

كان قدماء المصريين والإغريق يعالجون بالرائحة, لما فيها من رفع في مستوى الراحة النفسية للإنسان, وخفض للتوتر والذي يعد من الأسباب الرئيسية لمعظم الآفات. فرائحة الخزامى أو المعروف بال”لافندر” يعد من الروائح الخافضة لضغط الدم, والتي تزيد من تذفق الدم الى الأطراف مما يسبب الراحة النفسية, وهذه أحد الأسباب التي دعت شركات مساحيق النظافة لاستخدام هذه الرائحة بالذات في منتجاتهم وإقبال الناس عليها. ولكن يظل الإنفعال تجاه الرائحة مسألة تختلف من شخص للآخر, فقد يحب أحد الناس رائحة العشب لأنها ارتبطت بذكريات النزهات العائلية في الحديقة ويكرهها شخص آخر لأنها كانت رائحة منزلهم الريفي الذي إختلط بذكريات أليمة

يبدو أن زجاجة العطر هي الهدية المناسبة في معظم المناسبات كأعياد الميلاد وأعياد الحب والزواج, وذلك يعود لقوة تأثير العطور علينا وعلى مشاعرنا, فقد تأخذنا زجاجة عطر عشرات السنين إلى الوراء إلى ذكريات ظننا أن الزمان قد محاها. تظل حاسة الشم الحاسة التي ظلت وما زالت علامة استفهام عند العلماء, ويحتاج العلم إلى مزيد من الأبحاث عن هذه الحاسة الخاصة والفريدة, لقياس مدى قوة تأثيرها علينا وكيف يمكن لنا تسخيرها إلى ما ينفعنا

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s